السيد محمد باقر الصدر

84

الأسس المنطقية للإستقراء ( تراث الشهيد الصدر ج 2 )

الاعتراض الخامس [ على كلا الأساسين ] : نريد الآن أن نستدلّ على أنّ العلم الإجمالي بأنّ الصدفة لا تتكرّر على خطّ طويل إذا كان موجوداً لدينا حقّاً فهو ليس علماً قبليّاً ( أي قبل التجربة والاستقراء ) أوّليّاً ، كما يفترضه المنطق الأرسطي لكي يجعل منه الأساس العقلي المنطقي للدليل الاستقرائي . وفيما يلي توضيح ذلك : إنّ العلم الإجمالي الأرسطي يقول : إنّ ( أ ) و ( ب ) إذا لم تكن بينهما رابطة سببيّة فلا يتكرّر اقتران أحدهما مع الآخر باستمرار خلال خطّ طويل ، وحين نفترض أنّ هذا الخطّ الطويل يعبّر عن عشر تجارب متتابعة يمكننا على هذا الأساس أن نستنتج سببيّة ( أ ) ل ( ب ) إذا لاحظنا اقترانهما خلال التجارب المتتابعة عشر مرّات . فإذا كان ( أ ) مادّة معيّنة نريد امتحان تأثيرها في رفع الصداع ، وكان ( ب ) هو ارتفاع الصداع ، وأعطينا تلك المادّة إلى عشرة من المصابين بالصداع فارتفع صداعهم ، استنتجنا من ذلك أنّ هذا التكرّر في الاقتران بين استعمال تلك المادّة وارتفاع الصداع ليس صدفة ؛ لأنّ الصدفة النسبيّة لا تتكرّر عشر مرّات ، بل هو ناتج عن سببيّة تلك المادّة لرفع الصداع . ولنفترض أنّنا اكتشفنا بعد ذلك أنّ واحداً على الأقلّ من أولئك العشرة - الذين أجرينا تجاربنا عليهم - كان قد استعمل في تلك اللحظة ودون علم منّا قرصاً من ( الأسبرين ) الكفيل بإزالة الصداع ، ففي هذه الحالة سوف يفقد هذا الاكتشاف تلك التجربة التي أجريت على ذلك الشخص قيمتها ودورها في تكوين الدليل الاستقرائي وإيجاد العلم بالسببيّة بين ( أ ) و ( ب ) ( أي بين المادّة التي نجري عليها تجاربنا وارتفاع الصداع ) وسوف يكون موقفنا تماماً كالموقف الذي نقفه تجاه تسع حالات ناجحة فقط ، فإذا كان عشرة هو الحدّ الأدنى للاستقراء